أنثى الريح .. رواية
آسية السخيري
آسية السخيري
أنثى الريح
آسيا السخيري
 
- من مخطوط رواية أنثى الرّيح -
آن لك أن تتشظّي . أعرف أنك تتشظّين نيرانا كاوية وحمما صاهدة لكنّ شتاتك حينها يحيل على الحياة والحبّ ويقهر الخمول والسّكينة اللّذين يجعلان الموت يرفرف في الفضاء بجناح من حديد.
ياحزني الأرعن … أيّ إله عادل لايخجل من أن يكون شاهدا على كل هذا الضّيم؟
الحكاية لم تنته بعد وهي ربّما لن تنتهي أبدا لذلك تتعنّت عليّ بدايتها. نحن لانستطيع أن نمسك لبدايات الأشياء بطرف مادامت نهاياتها عصيّ علينا نعرّفها ومن هنا تأتي المأساة خببا.
أنا سأبدأ رغما عن كلّ شيء حتّى وإن كانت المسرحية لم يسدل بعد ستار الكآبة على فصولها الدّامية. لقد تعلّمت وإن بعد لأي أن أخلق من الأشلاء مابه أخرس هذه الرّغبة العنيفة في التدمير والتي تتأجج بداخلي بركانا عتيّا لايخمد. أجمّع الأشياء المبعثرة بعزيمة قصوى فأبعث فيها روحا زكيّة ترفرف وأنحت بين حوانيها قلبا نابضا تسري في شرايينه دماء شهوة حمراء آثمة مقدّسة وأمضي في تكويني لا ألوي على معتاد مجّه التكرار والابتذال.
أنا امرأة تشدني التفاصيل الصّغيرة. تأتيني من الشتات القصيّ فأحاول ترميمها دون أن أسعى إلى الردّ على سؤال طالما أرهقني وأرّقني : ماذا سأجني من هتك ستر الشّظايا ؟ ألم يكن أجدى لها أن أدعها تتمتّع بتجوالها الحرّ في الفضاءات الرّحيبة؟ لماذا أحاول دائما خيانة جمال تشظّي الأشياء الذي أصنعه بيديّ هاتين؟
لاشيء يهمّ الآن . مايهمني فقط هو أن أجمّعها بطريقتي أنا ووفق رؤيتي المغايرة دائما. أنا لاأتبجّح أبدا إلاّ إذا كان جسد ما كوّنته غريبا مثلي لذلك أحرص دائما على أن يأتي أوّله غامرا وآخره بعيدا … بعيدا … نائيا لايسعه المدى ولاتحيط به الحواجز. نحن جميعا نشترك في أشياء متعدّدة هي على كثرة تواردها وتناسخها تضحي عادية إلى درجة الإسفاف ومعها تصير همومنا المتوحّشة لامعنى لها، لذلك فقط أنا تعلّمت من الذين أعشق فيهم صمتهم الصاخب أن لا أجأر بغير حبّي لما لم يوجد وكنت دائما أتوق إلى أن أراه حقيقة تضحك كالأطفال بين يديّ. فيما لم يوجد فقط أنا ألفيت المعنى الواضح الجليّ لما يرى، للّذي نحيا على حبّ أو على مضض، للّذي يدمّر هذا الكون المقفر لحظة نهايتنا المظلمة الرّهيبة.
على ضفاف اللّيل
ألفيتني هكذا وحيدة
أنثى مذ شبّت
تتفيّأ ظلال معان عميقة
خلّفتها كما العطر العتيق
لحظات آبقة
***
العبور إلى الحياة أمل كبير نحن فقط من يغتصبه رغما عن الزّمن والآخرين لكن هل يتسنّى لكلّ منّا أن يفتك هذاّ الحقّ الّذي بدونه يصبح الكون موحشا، قاحلا من كلّ شيء مهمّ حتى من عذاباتنا المترهّلة وهي في آخر الأمر الوحيدة التي تدلّ على أننّا بشر نحسّ. طبيعة إرادتنا المغتالة جعلتنا اليوم أمواتا نمارس الحياة ببلاهة قصوى لكنّ هذا ما راق لي أبدا لذلك عزمت على الهروب من وحش كاسر يتبعني كظلّي, قرّرت أن أفرّ من موتي السّافر وها أنا على ضعفي أخوض غمار لجّ عبثية وجدوى أن أوجد … أن أحيا … هنا … هناك … بلا معنى … بلا اسم … بلا وجه … بلا هدف نبيل … بلا حلم يذكر … وجدتني أبحث عن كنه واحد يفصم عرى سلسلة أسئلة لجوج تصفّدني من قمّة رأسي حتّى أخمص قدميّ.
أنا لايمكن أن أوجد إلاّ من خلال إضطجاع متضادّات متنافرة هي في ذروة تصادمها واحتكاكها ترمي بي بين براثن الغياب . لكنّي أرفض ومن أعماق الموت السّحيقة ، أتشبّث بخيط رفيع يوصلني إلى كوّة متناهية في صغرها تطلّ على الضّوء .
الرفض المجنون الذي يسكنني ينير في دواخلي الشّاسعة تلك الزّوايا الغارقة في العتمة المريبة ، وهو إن توهّج يبعث بشرارات ينجم عن تماسّها الحريق . بداخلي نار مضطرمة حتّى أنّ ترهيب الآخر بالجحيم عند البعث صار يثير فيّ الشفقة في لحظات صفوي النّادرة والإشمئزاز عندما يجتاحني تمرّدي الكافر .
النار … ؟ ردّه إلى أشدّ العذاب وطأة يا ربّ الصّفاء الدّائم … عذّبه بأحزانه الخرقاء التّي لاترعوي … عذّبه بوعيه الفاجر بما لم ير إليه الآخرون … عذّبه بغربته وسط الّذين رماه الزمن بينهم رفاتا … عذّبه بعجزه المهين وأرهقه بذلّه أمام جهله بأسرارك العليا ياصاحب العزّة في الأقاصي … إنّما النّار ذلك العنصر الملعون جزافا فهو لا مفرّ من التطهّر به لتحقيق الصّعود إلى الأعلى … النّار … الحريق … بتّ الآن أدرك سرّ تقديس شعوب مختلفة المشارب غارقة في الحضارات البعيدة لها . النّار مسبّب آخر من مسبّبات وجودنا لأنّها تدخل في تكويننا فإن لم يكن ما أظنّه صوابا فما مصدر هذه الحمم الّتي تصهد أحشائي ؟
***
إستدراك :
امح من ذاكرتك الموسومة بالنّسيان معظم ما ورد ذكره سابقا واعتبره حلما زائفا من أحلامي المارقة التّي شيّدتها على شفا جرف هار آيل للسّقوط بين الآن والآن .
تعال نعد نحو المدى البعيد… تعال نجر نحو الأفق المترامي… وسويّا سندخل محراب الحكاية فأنا لن أقدر على سردها بمفردي لأنّها ليست حكايتي أنا وحدي .
هي حكايتك … هي حكايته … حكايتها
هي حكايتنا جميعا
حكايتنا الّتي قدّر أن لا ترسو على نهاية
سبع أغنيات حزينة
تهبها عشقا لأنثى الرّيح ليلة ماطرة
الفصل الأوّل:
الأغنية الأولى: هتك ستر بعض من أسرار أنثى توعد كلّ ليلــة برقصتها الأخيـــــــرة
“مدينتنا تنكف من أوجاعها. للمتجولين تهب مدينتنافي أزقّتها العتيقة الضيّقة المتعرّجة متعة هي نفسها لا تعرف مصدرها لأنّها لا تنبثق من أغوارها. مدينتنا تأبى على نفسها أن تتعرّى أمام أبنائها وأمام الغرباء العابرين حتّى لايبكوا عزّها التّليد الضّائع .
مدينتنا النبيلة لا يعلم وهنها غير ذي الجلال مهلك القرى العامرة بلا رأفة .
في هذه الأيّام الضّحلة تتكلّم مدينتنا كثيرا … هي تثرثر دائما كي لا تقول شيئا يذكر لكنّها يحدث أن تصمت أحيانا فيجيء على صدى سكونها الجارف الزّلزال الرّهيب . حدّثي به يا صغيرتي . لاتتردّدي ولا تجعلي السّرّ الذي أوصتك كبرا مدينتنا بحفظه في بئر عميقة القرار. ” هذا ما كانت جدّتي لا تملّ سرده على مسامعي وأنا مازلت بعد طفلة غضّة يكبر في رحمها القاحل الموت وتتمطّى بتشفّ في أحشائها الهزيمة النكراء .
ومرّت الأيام رتيبة … كامدة لا يلفت ما تأتي مثقّلة به من جديد لا يفرح نظر كثيرين من الذين يحيطون بي ولا يجرؤ ذوو الرّؤى الثاقبة على البوح بالتياعهم . فقط وجدتني أنا الثكلى المعولة تضوى أمامي المشاهد الخضراء اليانعة الواحد تلو الآخر كي يحلّ محلّها الخراب ناعقا يطفح بوحشة وغربة يعمّران هذه الأرض التي تعرّي كلّ صباح ثديها الهزيل المتهدّل كي ترشف الجثث المنتفخة دمها النّقي بشراهة ثمّ تمنح كلّ أصيل بصبر مستكين لجحافل الميّتين لحمها الذي تتقيّؤه مزقا عند آخر النّهار .
هي جثث أسمعها تقول . هي جثث غمرت رائحة عفونتها الفضاء الضيّق … أجل هي جثث لا يكرمها الدفن … هم لا يعدون أن يكونوا موتى شبعوا حماما ولا يغرّنّكم صخبهم المتعالي كثعابين الدخان في رحاب السماء المتذمّرة .
***
هذا الأصيل يدعوني إلى أن أطوف فيها مؤدّية مناسك عشقي وولائي اللّذين يلازماني. السّحب الدّاكنة سميكة وكثيفة . تغمر الفضاء فتوشك السّماء الواطئة لثقلها أن تقع على الأرض المرتعبة وترتطم دون شفقة برأسي الذي يكاد أن ينفجر فتسحقه وتحيله إلي خليط مقرف من الدّم والعظم المطحون واللّحم وخلايا الدّماغ المائعة … الرّذاذ يهمي هسيسا فيسمع له إنشاد حزين يسري بين مسامّي موجات كهربائية تبعث في نفسي المكدودة نشوة هي الموت يتاخم بعطف لا يحدّ وقسوة لا تلين الحياة.
الموت والحياة واحد اندمجا فاختلطت فيهما كلّ المعاني. يغشاني شعور غامر بالنّقاء يصّاعد بي إلى شاهق السّماوات السّبع أجول في تخومها التي لا تنتهي.
أعشق التّجوال في المدينة عندما تكون مغلقة وأعشقها أكثر حينما تكون سماؤها متكدّرة تبشّر بالطّوفان العارم. اليوم جمعة والمدينة فارغة إلاّ من بعض السائرين حثيثا هروبا من الأبواب الموصدة المتجهّمة : ” لا فستق اليوم يشرى تقضّى به السهرة لذيذة ناعمة … لا موزا ولا جوزا ولا ديكا روميا عاريا من ريشه يرفع عقيرته بالنّواح وسط واجهات بائعي الدّواجن ومشتقّاتها البلّورية . لا حنّاء اليوم ، لا فستانا حريريّا يبهر الرّائي ولا منديلا مزركشا يقتني فتفرح به الزّوجة … الغجريّة … الدّافئة … النّافرة … المنتظرة على لظى في هذا العشيّ القرير … ولا حذاء رياضيّا يقتنى من صاحب تلك المغازة الملحاح لقرّة العين الذي سيرفس بحذائه احتجاجا ويملأ الدّار عويلا ياسيّدي أدام الله عزّ الجميع في ظلالك الرّحبة .
لماذا لا تحثّ الخطى إذن فرارا من وجه المدينة الذي تجده كالحا ؟ أنت لاتلج إلاّ الأبواب المشرعة على مصراعيها حتّى لا تدنّس روحك الآمنة بما يمكن أن يصدمك وراء الأبواب المغلقة . دعها للعمّهين الّذين تعتعتهم الغربة كي يفتحوها فتدمى أرواحهم الواصبة وتكلّ نفوسهم المتعجرفة.”
امنحني القوّة ياذا الحكمة في الأعالي كي أحبّ هذه المدينة الموبوءة الّتي أضحت خرابا أكثر … وأكثر … وأكثر مهما كانت كئيبة متجهّمة .
بعض السيّاح يداهمون على مهل الأسوار العتيقة الصامتة في خشوع . يتلمّسون الأعمدة الملساء العالية التي مازالت تحتفظ بآثار عزّ آمن لا يفضحه بذخ زائف ويقلّبون بنظراتهم المفتونة المتفحّصة كلّ صخرة نقش فيها الزمن أوجاعه الناّزفة قذارة سوداء وأنا بين أحضان الحوانيت ذات الجدران الواطئة أرمي بروحي المعولة نتفا.
المدينة متعبة وأنا طفلة واهنة تشحذ ذاكرتها الصّدئة حتّى لا تتّهم غباء بالتّقاعس واللاّمبلاة . المدينة مثقّلة بكوابيس مروّعة تجتاحها في خيلاء كي تجتثّ منها زهوها الّذي كنت أراها تلبسه في أيّام رائقة خوال وأنا طفلة معزولة … مسلوبة أتصنّت على أبوابها الكبيرة كي لا يفوتني عواؤها وأناتها ولا تخفى عنّي أسرارها المنيعة. مدينتي صيّروها اليوم وهما أزرق متعطّشا للخراب يكشّر عن أنيابه السّوداء المنخورة انتقاما ويلوكنا في صمت فاجع دون وجل منّا . وأنا لا أمضي وكأنّ الأمر لايعنيني . وأنا طفلة شاهدة على الجريمة وأنا امرأة بئيسة مكرهة على أن أخون الذّاكرة المنكفئة على خزيها المقيت والأحبّة .
يااااااه … الحزن عقاب كاسر يتمطّى ويتمدّد في أحشائي. الحزن يربوع جائع يقرض أفراحي التي تواربني وتتوارى عنّي وكأنّ لها عندي ثأر قديم . الحزن يضطهدني ويشرّح جسدي بأناة ثمّ يعبّئ الجروح التي لم تزل خضراء تنزّ قيحا أسود بالملح .
أفراحي سدى والزّمن يضنّ عليّ بالضحكة الصّادقة والحبّ المريب الذي دميت قدماي بحثا عنه يصفعني وهناك في الأعالي يرفض الرّكن الشّديد إيوائي رغم انتهائي الوشيك فينزل بي نكاله وكأنّني لم آت إلى هذا العالم إلاّ لكي أطبق ذراعي ّ على الرّيح العاتية وعلى العذاب المهين .
أحسّني ضئيلة ، هشّة داخل أوجاعي المتجذّرة وفجائعي المتواترة . الرّذاذ يواصل هميه هسيسا وأنا يتضاعف حنيني إلى أهازيج المياه تسحّ مهتاجة في مزاريب البيوت البعيدة المتوارية خلف الضباب والنّسيان .
أعشق زخّات المطر تهطل دون ونى. ماأكبر قلب السّماء لا تتباهى ولا تمنّ بعطائها. ما أكثر عيونها الباكية وما أبهى مدينتنا الحزينة درّة الأزمنة المعتّقة تغتسل في صمت يطهّرها فيجعل مريديها الدّالفين إلى محرابها في رهبة عاشقين ولهين .
أرغب في أن أهرب بعيدا … بعيدا … بعيدا إلى حيث لا يمكنني أن أرى هذه المدينة المنتهكة التّي ألمحها تتشكّل خلف كثبان الدّخان الحالك تارة والرّمال السّوداء المتراكمة تارة أخرى واهية معلولة. أريد أن أنسى أنّني أحملها بأحشائي حبّا كبيرا يحيل قوّتي إلى وهن لا ينى عن وخزي .
ربّما لأنّها ضعيفة فإنّها تصبح أكثر قربا إلى قلبي والتصاقا به هذه المدينة التي أخاف عليها من الإشتعال الصامت
ضعت يا مدينتي البعيدة ولم أطل بعد هناء اختراق الأزمنة الأولى المنسيّة التي تصلني تراتيلها تباعا. مازلت أجرجر قدميّ الثّقيلتين نحوك دون أن أدلف إليك عزيزة ، مبشّرة بالصّباحات الوضيئة ، غازية مسالمة لا أحمل في أعقابي كالفاتحين الهمّج الموت زؤاما.
منذ أن وعيت وأنا أشعر أنّني جديدة متجدّدة … قديمة … معتّقة هنا لكن لم يتسنّ لي أبدا عيش لحظة العودة إليّ … أحاول الرّجوع إلى زمن البدايات القصيّة فأفشل في معانقتها وكلّما تكرّر فشلي ازداد إحساسي بأنّني كان يجب أن أبدأ بداية غير الّتي كانت .
من أين كان يجب عليّ أن أبدأ ؟ كيف أبدأ ؟ إلى أين أتّجه ؟ ناشزة أنا إذ أنّني من أولئك الذين يبدؤون من أقاصي النّهايات التّي يوهمون أنفسهم بأنّهم أدركوها كي يظلّوا عاكفين على البحث عن مصدرهم حدّ الرّهق . منذ أن كانت روحي طفلة بهيّة تنشد الفرحة الرّاقصة أحسست أن آمالي وأشيائي الحميمة تذوي . هرمت يا مدينتي وهرمت بي السّبل الممتدّة تحيلني على السّراب النّهم المترامي يقتات من فراغي فيضحي غولا أجوف يغمرني رعبا وفجيعة… يتيمة أنا منك ومن أفراحي المسروقة وأبي المغدور به أبدا قد رحل باكرا مخلّفا اللّوعة والحنين والذّكريات الحامضة تفتّت الأحشاء للّذي لاقاه في الطّريق الموغل في الخراب .
كلّ الّذين أحبّهم خانوني ورحلوا ولم تعطف أنت أيضا على وهني يا الـ”بابا” الذي طالما درأ عني الأذى . خلفك تركت كلّ الأمكنة عوسجا تحفّ بها الرّقطاء وتحوم حواليّ وكلّ الورود الشّائكة التّي سقيتها بدمك الحنظل ودموعك المتأبّية وابتساماتك المتشنّجة حكم عليها بالظّمأ والتّحلّل. اشتقت إليك ياأبي . خذني حذوك وبجليد قبرك ذرني أتدفّأ .
وفجأة أغدو طفلة بظفيرتين مجعّدتين لا أدري كيف تحكم أمّي جدلهما لأنّها تعرف أنّني لهرجي ومرجي سأعود إليها بعد سويعات قليلة شعثاء يثير مظهرى تقزّز وسخريّة الآخرين ويشعل في أمّي جنونا وغضبا لاتقدر على كبحهما فتنفثهما سمّا زعافا في أحشائي . وكثيرا ما أثار تصرّفها ذاك تساؤلي وحيرتي إذ ماذا سيحدث للعالم لو أنّ هندامي ومظهري لم يروقا للآخرين الّذين لا يملأ عيونهم المسمولة غير التراب والظّلام وأصيح بغبن أسود يفضح انهزاميالمحزي: ” مقهورة يا أمّي… قهرتني ابنة أختك المشحونة حقدا وكراهيّة … قهرتني صديقتك السّاحرة الشّمطاء التي تحبّينها … قهرتني بومة الشؤم زوجة أخيك وبناتها … قهرتني ابنة الجيران الّتي أكره أن لا أحبّها رغم أنّها تؤلّب عليّ كلّ نديداتنا في الحيّ وتجعلهنّ يصطفينها دوني ولكنّ ذلك لا يطول كثيرا إذ أنّهنّ سرعان ما يعدن تائبات إلى رحاب حبّي الّذي رغم ارتباكه لا ينضب أبدا … مقهورة ياأمّ … قهرتني غربتي بينكم وأمضّتني . سوف أهجّ . أرض الله رحبة تسع وحدتي وشقائي . سأترك لهم فضاءهم هذا الأغبر المدمّر الذي لا يستحقّ غير اللّعنة والنسيان ، يرتعون فيه مثل الفئران النّجسة وينعقون مثل بوم الخرائب المهجورة . ” ومعي تبكي أمّي ملء أوجاعها العاصفة .
يا ربّ هذه الأرض المرفوعة على قرن ثور لم أقدر حتّى الآن على تخيّل حجمه الرّهيب ، يا ربّ شجرة الخلد أسير في ظلالها الرّحيبة مائة عام ولا أقول أعييت إن أنا ما قطعتها أو مللت مهما تناسخت أمامي المشاهد ، يا ربّ هذا الكون بقمره وشمسه وكواكبه ومجرّاته ومذنّباته وإنسه وجانه ، يا ربّ هذا العالم الرّحيب أنا ضعيفة وهم يبغون تهشّمي ، يا ربّ الآلهة في هياكلها المنعزلة ومعابدها المنسيّة لا تدعهم يسعدون بانكساري
وقع الصّفعة المفاجئة كان قويّا. في كبرياء طفوليّ عنيد تاه الآن عني أرفع رأسي الثّقيل ذاهلة ، تتحجّر الدّموع العصيّة في مآقيّ لكنّي أتلمّس خدّي الّذي أحسّه متّقدا. صراخ أبي المرعد يصمّ أذنيّ : ” ستظلّين هكذا تحلمين … تهيمين دائما كالمجذوبة في فضاءات لا يراها غيرك … ستخلّفين لي العار والشّنار أيّتها الغبيّة دون نديداتك . كلّ الّذين أعرفهم خلّفوا ضنى صالحا أنا فقط لم يجئني من أمّك غير بنات الشّؤم وأنت على رأسهنّ .أرسلتك أمّك إلى الكتّاب ماذا جاء بك إلى هنا ؟ ألا ترين أنّ السيّارة كادت تدهسك ؟ ماذا لو أنّ سائقها المجنون خلّفك وراءه أشلاء ؟ . ”
فم آخر من أفواه عدّة سيغلق ياأبي فيخفّ عنك الحمل الذي أثقل كاهلك المكسور ليته فعل ذلك يا أبت . كان أراحني من وعثاء الرّحلة الآتية وخفّف عنك مهانة مشقّة البحث عن الخبز الأسود .
ألمح في نظرات أبي الكامدة ما يؤكّد على أنّ ما كان يرعب أمّي منذ أيّام قد حدث. مرّة أخرى يستغني ربّ العمل أوهن الرّحمان عظام ركبتيه وأسكن الظلام الدامس في مقلتيه و قصف عمره البئيس عن خدمات أبي السّريع الإنفعال ويطرده. لم تنفع دعوات أمّي ولم تجد تضرّعاتها في شيء وأكره الله الذي لم يبال بلوعة وارتياع أمّي من جوعنا وعوزنا أكثر.
أتشبّث بركبتي أبي كي أعوذ به من عذابي ورعبي : ” تظلّ أبي وليس لي من حضن لا أخجل من اللّواذ به غير حضنك . أنا خطؤك الكبير. اضربني أكثر مادمت عبءا عليك لكن تذكّر أنّك أنت الّذي تبوء بإثمي لأنّك لم تتروّ عندما أتيت بي إلى هذا العالم الخاوي. أحبّك ياأبي . إنّي والله بك أهيم وجدا وعشقا … لا تعذّبني بعذاباتك الّتي لا ترعوي
لا يدفعني أبي بجفاء . تخمد سطوة غضبه بسرعة … بسرعة كما في كلّ مرّة . يأخذني من يدي بعطف خفيّ لا أدري لماذا يصرّ أبي دائما على مداراته ونتوجّه حثيثا نحو الكتّاب الّذي تلحّ جدّتي على أن أقصده كلّ عطلة . ألمح ضحكة أبي المتواطئة الجميلة رغم وجعه الموشوم . هو يعرف أنّني أكره سيرة أمرأة أبي لهب وزوجها اللّذين لم يغنهما مالهما اللّبد عن صلي الجحيم . صغيرة كنت وكنت أحبّ جنّة الرّضوان رغم تساؤلاتي الكثيرة عمّا سأفعله خلال إقامتي الطّويلة فيها وكنت أمقت جهنّم الّتي يتوعد بها المارقون عن الصّراط حدّ الغثيان وكنت أكره عصا العمّ عبد الله ينزلها وبالا وسخطا على رأسي الصّغير رغم سرعة بديهتي وحفظي السّريع والجيّد. أبي يعرف أيضا أنّ المؤدّب لا يضربني هكذا عبثا أو تشفّيا فهو طالما اشتكاني إليه لأنّني لا أتوانى عن مناوشة رفاقي وعن التّحدّث والتفكّه لإثارة بلبلتهم وهرجهم هكذا خاصّة أثناء تلاوة سورة المسد . ولا أحد أدرك مرّة يتيمة أنّني أهرب من ارتعابي إلى اللاّ مبالاة والنّسيان . المؤدّب كان يعاقبني أيضا لأنّ كتابتي كانت رديئة … رديئة حدّ إثارة تهكّم الجميع.
كلّ ماأفعله يبدو غريبا … يثير إستهزاء كلّ المحيطين بي ودهشتهم حتّى ذاك الّذي أفعله بحبّ جامح وذكاء لا يحدّ … صرت نكاية بهم جميعا لا أبحث إلاّ عمّا هوّ مستهجن آتيه هكذا دون تردّد أو خوف … ماهمّني لا قليلا ولا كثيرا إن كان سيثير قرفهم ونفورهم أو إستحسانهم وليكن “وادي الويل”مستقرّهم بين ذينك الجبلين الشّامخين يظلّون يهوون إلى قاعه لا سبعين عاما فقط بل مليونا وتزيد . هكذا شئت وحكمت والله يحقّق إذ تمنّيت وإن بعد مدّة أعسر وأغرب أمنياتي وهكذا حدّثتني جدّتي طيّب الله ثراها وجعل ذكراها عطرا نافذا يضوع في ثنايا الزّمن الشاّسع . أمقت الجحيم لكنّي أمقت عماهم الدّاهية العقيم المولول أكثر .
مثلما هو يقصم ظهري بالأدهى يخبّئ لي الله الجميل الذي لا يخطر على بالي دائما … أنا كثيرة الأمنيات … لا … أنا أخجل مثلا من أن أدعو الله أن يمنحني السعادة كاملة … أين سأجد حزني من جديد إن أنا فرّطت فيه … كيف يمكنني أن أنسى طعمه المالح وأنا قد تعوّدت عليه حتّى أنّه صار جنينا غاليا أحمله في أحشائي … حزني الّذي أخاف عليه من الإندثار علّمني أشياء كثيرة جميلة لا يمكن أن أستغني عنها والسّعادة ستنسيني حتما فرحة أنّني كنت أنا تلك الّتي أعشقها بأفراحها الصّغيرة وتعسها المعرّش في دقائق الأيام وساعاتها. أنا أأنف أيضا من أن أسأل الوهّاب المال العميم .أرى إلى وجهها الشّاحب المرتعب دائما صديقتي الفاحشة الثّراء … أراها فارغة … خاوية حدّ الفجيعة . هل حماها المال من مغبّة الهزيمة … أنا لا أحبّ المال الكثير … أنا لا أريد مالا إلاّ كي أشتري به فرحة صادقة تتلألأ على وجوه الذين أحبّهم … أنا أخجل من أمنيات أخرى كثيرة لا داعي لذكرها لكنّني لا أتورّع من أن أتمنّى أن لا يحرمني الله فرحة أن أظلّ أرقص كلّ عمري على خشبة المسرح كي أقول ما يخطر على روحي الظّامئة كما أنّني لا أخجل من أن أدعو إلى الله أن أسلّم روحي إلى بارئها الرّؤوف وأنا في أحضان رجل أعشقه .
أبي يعرف أشياء كثيرة عنّي ولكنّني أخفيت عنه أمر حبّي الكبير للعمّ عبد الله لأنّني لم أشأ أن أبوح له به خوفا وحياء . أنا أنثى ولا يجب أن أحبّ رجلا آخر غير أبي حتى وإن كان في مثل سنّ جدّي . لكنّني رغم ذلك لم أستطع أن أمنع نفسي من أن أعشق العمّ عبد الله شبيه ملائكة الرّبّ في السماء بوجهه الشفّاف المتلألئ الّذي تكاد أن ترى ما خلفه وبشعره الثّلجي النّاعم المغطّي جزءا كبيرا من جبهته الوضّاءة ، بملابسه الّتي تنضح بياضا ناصعا وبوقاره الرّهيب أحيانا . أنا لم أكن أذهب إلى الكتّاب إلاّ من أجل رؤيته والتّملّي في سحنته وها أنا بعد عشر سنوات ونيف من رحيله الّذي فجعني مازلت أراه في جلباب يوسف يكيل لإخوته الإحدى عشر بضاعتهم وعلى وجهه تأتلق حسرة الّتي صاحت ” هيت لك ” ورفيقاتها أنوارا تغري بالشّهوة النّبيلة الدّامية .
كم أحبّها تلك الأنثى الّتي عانقت النّور ذات فجر رقيق وهبها مكرها للوجع الصّارخ . كم هي مغرية تلك المرأة الفاتنة التي سمّاها أبوها زليخة قبل أكثر من ألفي سنة . لقد كانت أصدق ما يجب عندما لبّت نداء قلبها وجسدها اللّعنة . وعندما صدّت أضحت لبؤة شرسة تنشب مخالبها النّحاسيّة في الجسد المخذول الذي لم تقدر هي نفسها على حبّه أو حتّى على التّصالح معه . تخلّصت من سجنه العتم الموحش وبعيدا حلّقت … حلّقت في ثنايا الوجع المتشعّبة بأجنحة من ندى ومن ضباب صباحيّ رقيق يبشّر بفكّ الشّموس من أصفاد حلمها الثاني عشر .
أمّا الآلهة والملائكة والأنبياء فهم الأكثر جمالا وإبهارا حتّى وإن كانوا يوتوبيا ياأبي . إنّهم وحدهم القادرون على التّمويه بأنّهم يهادنون مشاعرهم الجارفة وينسون رغباتهم الجموح ولذلك يظلّون في نظرنا هم الذين يطهّرون الكون بصفائهم من كلّ الرّجس الذي حلّ به. وهنا أنا أصرّ على أنّ ما أتته زليخة لم يكن أبدا الرّجس الحقيقي كما تصوّر لنا جميعا رؤيتنا الضّيّقة ذات المجالات المحدودة المنغلقة . لماذا يستكثر على امرأة حرّة نبيلة أن تختار رجلها الّذي أحسّت أنّ كلّ بذخ الدّنيا لن يعوّضها عن فرحتها بلقائه مادام هوّ وحده الذي سيدحض شعورها الفادح بالانفصال الّذي يدمّرها قطرة … قطرة … نبضة … نبضة .
والعمّ عبد الله أتراه كان ضمن الملائكة الّتي سجدت لأبي الخلق أم أنّه هوّ الّذي سجدت له عن رضى ملائكة السّماء ؟ كم كان يلذّ لي التّصنّت إلى جدّتي وهي تسرد حكاية غريبة لا تملّها ولا يسأمها المتحلّقون حولها مشغوفين بما يسمعون . حكاية الجنّيّة ذات الشعر الأزرق المنسدل على كتفيها كبحر لا قرار له حتّى أنّه كان يغطّي ساقيها اللّتين لم يلمحهما العمّ عبد الله ولم يتأكّد من شكلهما وذات العينين اللّوزيتين شديدتي الميلان اللّتين ترقصان في وجهها المستدير النّاصع مثل قمر في ليلة اكتماله
كانت تراود العمّ عبد الله عن نفسه لكنّه لم يرضخ لإغراءات جمالها الرّهيب ولمّا لم تلق في عالمه الّذي قالت في البداية إنّها وجدته بديعا حيزا ولو صغيرا لها أقسمت على أن تجرّعه العذاب ألوانا بجعله يهيم مثل بهيمة جرباء في الوديان ومغاور الجبال طوال مابقي من عمره . وكم كان عمر العمّ عبد الله طويلا لكنه لم يقضه هائما لأنه أحبط وعيد الجنية بقراءة القرآن آناء الليل وأطراف النهار . فقط ما ينبغي عدم السهو عن ذكره هو أن العم عبدالله أمضى ماتبقّى من حياته رجلا أعزب لا يفقه عن عالم الأنثى شيئا من ذلك الذي يتفاخر بمعرفته جميع الذين حشيت أدمغتهم بروث البقر .
وعهدة هذه الرّواية طبعا على جدّتي أسكنها الله فراديس جنانه الّتي طالما تاقت إليها والّتي تصر بثقة لا تهن على أنّ معاشر الجنّ الكثيرة تسكن في الآبار المتروكة وشقوق الجدران في المنازل المهجورة وهي تختفي بشرّها المزعوم في كهوف الجبال وتحت الصّخور الصّلدة في الوديان غير ذات الزرع أو الضّرع. *** “حدّثني يا رشيد قبل أن نقصد الكتّاب عمّا يوجد خلف هذه البوّابة الكبيرة .” ويحرّك رشيد قطع السّكّر في قعر قهوته السّاخنة ثمّ يرفع بأناة الملعقة الصّغيرة متذوّقا . وأصيح نافذة الصّبر : ” حدّثني يا رشيد أرجوك وأنا أسرد على مسامعك فصلا آخر من قصّة العمّ عبد الله ووالله هو ليس من نسيج مخيّلتي الضيّقة كما كان الأمر في بعض المرّات السّابقة .
لقد استرقت السّمع البارحة إلى جدّتي وهي تحكي وكان كلامها كالعادة رحيقا لا يدغدغ بالا خاملا . حدّثني يا رفيق طفولتي الغائبة . حدّثني يا صديق براءتي المنتهكة فقد لمّ شملنا على صغر سنّنا براح أسئلة عنود لم نلف لها غير إجابات غامضة وإيضاحات مرتبكة وتفسيرات مبتورة ما قدرنا على إستيعابها . ”
وترقص زهرات الكستناء اليانعة أحيانا في عيني رشيد البرّاقتين الرّحبتين ويتضوّع شذاها فيغمر كلّ الفضاء الّذي نجلس فيه بعيدا عن الآخرين : مدرج قديم اندثر طلاؤه وبانت الشّروخ في جدرانه العالية المتآكلة ذات الصّخور الكبيرة الكامدة اللّون . في آخر الدّرج المغطّى بقرميد أحمر باهت تنتصب بوّابة من خشب الصّندل المزخرف الّذي ترك فيه الزّمن أثره لكنّه لم يذهب بكثير من رونق متعال يشي بعز مغر عاشته كلّ أشياء هذا المنزل الضّاجّ ببذخ تلاحقه اللّعنات المتوالية . ويفرغ رشيد الركوة في كأسين كبيرين ويؤثرني كما هي عادته دائما بالنّصيب الأوفر من القهوة أشربها وكلامه القراح المتسلسل باشتهاء لم أعرف طعمه بعد أن شاء حظّي العاثر أن يغادر رشيد إلى العاصمة التي لم يرجع منها إلاّ بعد أن اجتاز امتحان الباكالوريا ممّا قلّص من لقاءاتنا الحميمة السّابقة الّتي لم تكن تلفت الانتباه .
مفتون به الزّمن
ذاك الطّفل … الرّجل الّذي عشقته
وهبني قبل أن أجيء من المدى القصيّ
الكلمة
والسّؤال
والدّهشة
والوجع العنيد
وقبلة على الرّوح الكسير
ثم رحل
رشيد صغير صديقة أمّي المدلّل لا يتعثّر مثلي في كلامه وهو لا تنفره العبارة مهما كان غرضه من الإيضاح مضنيا . رشيد تسلّمه الأفكار النّبيلة الصّافية نفسها بعشق وآفتتان . رشيد كان الفداوي الذي تختلج بداخله أنوار مغايرة شتّى ترتطم بعدم قدرتنا على المسك بها وكان لا يعرفه أحد غيري لأنّه دأب على الانعزال عن الآخرين .
غريب أمر رشيد طفل العشر الحزينة . من أين له أن يصمد أمام كلّ ماكان يمور بداخله المهدود ؟ من أين جاءته القوّة كي يصارع ذاك الوجع المتعنّت الّذي عشّش وترعرع بداخله ؟ لم يشف رشيد غليل تسآلي ولم يحرّك مزلاج البوّابة الجاثم في صمت موحش من مكانه كي ألج عالمه الّذي لم أقدر يوما على تفنيده أو محوه من ذاكرتي المعربدة . رشيد كان فقط يحكي … ويحكي … ويروي بشجن قاتل مدمّر وكنت بكليتي أغدو آذانا متحفّزة وعيونا مشغوفة بما يتسلسل في مجالها من صور غير كلّ الصّور الّتي ألفناها .
….
آسية السخيري